دماء بمول اركاديا ......حكاية نعى عمره 16 سنه في وفيات الاهرام !!

5811

كتب:نبيل سيف

كل الذين  يتابعون صفحة الوفيات بالأهرام  يوميا شدهم قبل ايام قليلة نعى ضخم للذكرى السنوية لفقيد الشاب محمود روحى  ،الذى لقى مصرعه قبل 16 عاما وتحديدا فجر 12ابريل عام 2001 ،وبداخل مول اركاديا الشهير على نيل بولاق ،الذى كان مول جديد للصفوة وابناء العظماء بالقاهرة  حدثت الكارثة .

123*123

في ليلة ربيعية من ليالي القاهرة كان بعض الساهرين على شاطئ النيل يهمّ بالانصراف، في حين فضّلت قلّة البقاء حتى تباشير الصباح لتنسّم هواء الربيع المنعش. شهد كورنيش النيل مطاردة من نوع خاص بين اثنين من أبناء الذوات: -

الأول (عمر، والده طيار سابق) في نهاية عقده الثالث. يستقل سيارة من ماركة ألمانية مشهورة ذات رفاهية خاصة أما ....

الثاني (محمود) ففي منتصف العقد الرابع من عمره وينتمي إلى أسرة شديدة الثراء. كان يستقل سيارة جر رباعي من الماركات الأميركية المشهورة. كان كل منهما يصطحب ثلّة من أصدقائه وانتهى خط سير محمود بالتوقف أمام أحد أهم المراكز التجاريّة في القاهرة ويتميز عن سواه بإطلالته على النيل مباشرة في منطقة بولاق أبوالعلا ويضم عددا من المطاعم والمقاهي المشهورة فضلا عن المحال التجارية ذات الأسماء العالمية المعروفة وافتتح حديثاً منذ نحو عام.

دخل محمود بسيارته إلى الكاراج الملحق بالمكان ودلف من البوابة الزجاجية الدائرية إلى داخله منتهياً به السير إلى مطعم مطل على النيل ليجلس مع عدد من أصدقائه على الطاولة رقم 15 منتظراً العشاء. في هذه الأثناء كان غريمه عمر وصل إلى المطعم نفسه وجلس مع ثلّته على طاولة في مواجهته بادئاً في استفزازه.

كان محمود روحي (من رجال الأعمال الشباب) متزوجاً بينما كان عمر الهواري عازباً وله أعماله الخاصة في عالم الاعمال ويتنافس مع محمود على صداقة فتاة لعوب. نجح محمود في استمالتها فتسبب ذلك بهزيمة عمر في زمن أصبح اجتذاب النساء بطولة وانتصاراً وقمة النجاح! لذا، صمم عمر على تأديبه وإهانته أمام الفتاة التي فضلته عليه وحضرت معه أمام الجميع. بدأ الشيطان ينفخ في عروقه وفي نفسه السيئة التي بدأت تثور عليه فينفث أصدقاء السوء سمومهم في أذنه. أقنعوه بضرورة الانتقام إذ سيساعدونه حين يهب إلى تأديبه وإهانته أمام الحاضرين ليخرج من المكان في ثوب النساء. حين أنهوا كلامهم قال عمر بملء الفم وهو يتحسس مطواة في جيبه : « أنا ناويهاله النهاردة». كانت تلك الجملة التي سمعها كثر دليلاً قاطعاً ضده أمام سلطات التحقيق وأمام المحكمة لإثبات تهمة القتل ضده.

إتجه عمر والشرر ملء عينيه ناحية محمود الغارق في السمر مع ثلّته والفتاة التي أثارت غريمه. أمسك بكأس وقذفها في وجه محمود وبالتالي على رأسه ثم امتدت يده بسرعة البرق ممسكة بزجاجة كانت على إحدى الطاولات المجاورة هاجماً على محمود. لكن ثلّته تمكنت من شل حركته وسحب الزجاجة منه. في لحظات أخرج من داخل ملابسه مطواة قرن غزال كتلك التي يستخدمها عتاة الإجرام ثم ضغط على زر فيها فانطلق نصلها. صرخ من صرخ وركض من ركض واختفت الفتاة سبب المصيبة من دون أن يعثر عليها أحد. بغيظ وحقد هجم عمر على محمود ممزقاً جسده بالمطواة حتى سالت الدماء نهراً على أرض المطعم الراقي. سقط محمود، ذلك الشاب الوسيم الذي كان منذ لحظات يأكل ويضحك، جثة هامدة لا روح فيها لافظاً أنفاسه قبل وصوله إلى المستشفى.

كان رئيس المباحث يستعد لمغادرة مكتبه حين شارف ضوء النهار على البزوغ. ورده بلاغ من شرطة النجدة بوقوع جريمة قتل في مطعم واسم القاتل عمر الهواري والقتيل رجل أعمال اسمه محمود روحي. انتقل فورا إلى مسرح الجريمة على رأس فريق من مساعديه طالباً التحفظ على كل شيء مستجوباً الشهود الذين أفادوا بأن مشاجرة حصلت بين طرفين أسفرت عن مصرع محمود وهرب عمر. بعد ساعات قليلة تمكن رجال الشرطة من القبض على القاتل عمر الهواري الذي لجأ إلى إحدى المستشفيات الخاصة في مصر الجديدة زاعماً إصابته. اتضح لاحقاً أنها مجرد خدوش بسيطة من جراء مقاومة القتيل له. في البداية أنكر عمر التهمة مفيداً رجال المباحث بأن المجني عليه وأصدقاءه تشاجروا مع عدد من «البادي غاردات» وأن أحد هؤلاء هو الذي ضربه فأصابه ولا شأن له هو بالواقعة.

أحيل المتهم على النيابة العامة للتحقيق معه في ما نسب إليه. أصرّ على أقواله بل تمادى في استخفافه منكراً معرفته بالمجني عليه. لكن الشهود من عمال المطعم ونزلائه أكدوا أن عمر تحديداً هو القاتل. حينذاك أحضر عمر وأسرته، بتحريض من محاميه، عددا من شهود الزور مؤكّدين أن «البودي غارد هو الذي قتله، لكن النيابة العامة أحالت عمر على محكمة الجنايات جنوب القاهرة.

على مدى تسع جلسات استمعت هيئة المحكمة إلى شهود الواقعة إذ بلغ عددهم 22 شاهداً، نفى13 منهم علاقة عمر بالجريمة. استمعت أيضاً إلى شهادة كبير الأطباء الشرعيين. فجأة عدلت إحدى الشاهدات شهادتها وقررت أنها تريد، بمحض إرادتها، تصويب خطأها وجرمها في حق القتيل وأسرته وفي حق نفسها معترفة بأنها شهدت لمصلحة القاتل بناء على اتفاق مع أسرته مقابل مبلغ مالي وأنها لم تشهد الواقعة.

 حذا حذوها شاهد آخر أكد لهيئة المحكمة أن عمر الهواري قتل المجني عليه بمفرده وكان يبيت النية على ذلك. استمعت المحكمة لاحقاً إلى مرافعة النيابة فقال ممثل النيابة: إتسمت الجريمة بالخسة والرعونة وضربت المجتمع برمح قاطع وروعت ضميره وأحدثت القلق وخلقت ترقبا لحكم العدالة الذي يعيد للمجتمع أمنه وأمانه وتبين منها أن هذه الحشرة القذرة هي استثناء محدود وسط المجتمع الآمن». تخص وقائع القضية الهواري الذي استأثر به الشيطان فباض فى صدره وأخرج في قلبه، فعاثه فسادا وإفسادا واتخذ من إسالة الدماء سبيلا وطريقا.

عقب وصوله توجه نحو المنضدة التي يجلس عليها المجني عليه واعتدى عليه بكأس زجاجية في رأسه ثم أخرج آلة حادة واستمر في التعدي عليه بها قاصدا قتله. أكد الدليل الفني أن وفاة المتهم تعزى إلى إصابته بأعلى يسار الإبط فأحدثت قطعا في الشريان للإبط الأيسر وهي جائزة الحدوث من خلال إستعمال السلاح المضبوط وفي تاريخ يعاصر تاريخ الواقع. بذلك تضافرت الأدلة في ما بينها لتؤكد جرم المتهم وبشاعة جريمته وتبين بجلاء ومن دون أدنى شك أن جريمة القتل العمد مع سبق الإصرار توافرت لها كل مقوماتها وعناصرها القانونية.

قبل أن تستمع المحكمة إلى مرافعة المدعي بالحق المدني ( ممثل المجني عليه) ، فجر محامي الدفاع عن المتهم مفاجأة إذ طلب رد هيئة المحكمة بحجة أن المتهم لا يطمئن إليها. عندئذٍ تم وقف النظر في القضية حتى قرر رئيس محكمة الاستئناف العالي رفض طلب الرد وقرر إعادة القضية إلى الهيئة نفسها، فما كان من رئيس الهيئة إلا أن فجّر مفاجأة، رافضاً الاستمرار في النظر في القضية قائلاً إنه بات يستشعر الحرج في نظرها ولم يستجب لدموع أهل المجني عليه ومطالبتهم له بالاستمرار.

تقرر النظر في القضية أمام دائرة جديدة في محكمة شمال القاهرة. في أولى جلسات القضية أمام الهيئة الجديدة، لاحظ الحضور أن القضية أخذت دورها في القضايا شأن أي قضية أخرى بعدما كانت تنعقد المحكمة لها من غير النظر بسواها طوال النهار. خلال الجلسات استمع رئيس المحكمة إلى شهود الإثبات وشهود النفي ثم إلى المدعي بالحق المدني الذي قرر أن أسرة القتيل لا تطالب بتعويض عن فقيدها إنما بالقصاص من القاتل.

قررت المحكمة الاستماع إلى محامي الدفاع عن المتهم في جلسة خاصة، لكن هيئة الدفاع لم تحضر كنوع من التمرد فقرر رئيس المحكمة التأجيل إلى جلسة اخرى للاستماع الى مرافعة الدفاع مع توقيع غرامة على المحامين الذين امتنعوا عن حضور الجلسة.

في اليوم المحدد لحسم القضية التي شغلت مصر على مدى أربعة أشهر بدأ عدد كبير من الاعلاميين والمتابعين للقضية في التوافد منذ الصباح الباكر إلى محكمة جنايات شمال القاهرة. لكن رجال الشرطة منعوا الجميع من دخول القاعة مؤكدين على أن الجلسة ستنعقد بعد الظهر واقتصر الحضور على المحامين والصحافيين فحسب.

كانت عقارب الساعة تشير إلى الثالثة بعد الظهر حين أعلن الحاجب بدء الجلسة بالكلمة المشهورة «محكمة». دخل أفراد الهيئة برئاسة المستشار العشماوي وبدأ أمين السر يتلو قرار الإحالة قائلاً: «إنه في يوم 12ابريل 2001 قام المتهم عمر الهواري بقتل محمود روحي داخل مطعم ... وبأنه عقد العزم على ارتكاب جريمته كما أنه استخدم سلاحا أبيض أودى بحياة المجني عليه».

بعد ذلك طلب رئيس المحكمة من ممثل النيابة الإدلاء بمطالبه فقال إنه يطالب بأقصى عقوبة على المتهم بموجب ما يتضمن قرار الإحالة. ثم نادى رئيس المحكمة أعضاء هيئة الدفاع عن المتهم وأثبت حضورهم طالباً الاستماع الى مرافعتهم. أكدّ الدفاع لرئيس المحكمة أنهم يتقدمون بتسعة عشر دفعاً من بينها انتفاء سبق الإصرار وانتفاء القصد الجنائي لدى المتهم وتناقض أقوال الشهود وتعارضها، إلخ. قررت المحكمة رفع الجلسة حتى الحادية عشرة ليلاً للنطق بالحكم. ثم عادت وقضت بالأشغال الشاقة المؤبدة على القاتل عمر الهواري وإلزام المتهم بدفع تعويض مدني قدره 2001 من الجنيهات على سبيل التعويض الموقت .